ابن عجيبة
38
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وهاكم بعض الأمثلة من إشارات الشيخ : عند قوله تعالى وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ « 1 » . يقول الشيخ في إشارة الآية : اعلم أن كثيرا من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء ، ويطلقون عنان أنفسهم في المعاصي والشهوات ، ويقولون : سمعنا من سيدي فلان يقول : من رآنا لا تمسه النار ، وهذا غلط وغرور ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لابنته : « يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئا اشتر نفسك من الله » وقال للذي قال : ادع الله أن أكون رفيقك في الجنة ، فقال له « أعنى على نفسك بكثرة السجود » . وعند قوله تعالى : قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ « 2 » . يقول الشيخ في إشارة الآية : كل من أقامه الحق في وجهة ، ووجهه إليها ، فهو عامل لله فيها ، قائم بمراد الله منها ، وما اختلفت الأعمال إلا من جهة المقاصد ، وما تفاوت الناس إلا من جهة الإخلاص ، فالخلق كلهم عبيد للملك المجيد ، وما وقع الاختصاص إلا من جهة الإخلاص ، فمن كان أكثر إخلاصا لله كان أولى من غيره بالله ، وبقدر ما يقع للعبد من الصفاء يكون له من الاصطفاء ، فالصوفية والعلماء والعبّاد والزهاد وأهل الأسباب على اختلاف أنواعهم ، كلهم عاملون لله ، ليس أحد منهم بأولى من غيره بالله ، إلا من جهة الإخلاص وإفراد القلب لله . فمن ادعى الاختصاص بالله من غير هذه الوجهة فهو كاذب ، ومن اعتمد على عمل غيره فهو مغرور ، يقال له : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ . وقد جاءت إشارات الإمام ابن عجيبة جامعة لدرر من المنظوم والمنثور ، فقد ضمنها الشيخ أقوال مجموعة كبيرة من كبار الصوفية ، كأبى يزيد البسطامي ، والجنيد ، والقشيري ، والشاذلي ، وأبى العباس المرسى ، وابن عطاء السكندرى ، وزروق ، والدرقاوى ، والبوزيدى ، وغيرهم . كما أنه ذكر كثيرا من أشعارهم ، كشعر ابن الفارض والجيلي والششتري ، ونقل حكما كثيرة من حكم ابن عطاء السكندرى وغيره ، كما نقل في مواضع عديدة عن لطائف الإشارات للقشيرى ، وعرائس البيان للشيرازى ، وإحياء علوم الدين للغزالي ، وغيث المواهب العلية لابن عباد ، وبالتالي فقد حفل هذا التفسير بتراث جم من الفكر الصوفي .
--> ( 1 ) الآية 8 من سورة البقرة . ( 2 ) الآية 139 من سورة البقرة .